زكريا القزويني

190

آثار البلاد واخبار العباد

عطش مع فقدان القطر ، ولا يصيبها ذبول مع تصاريف الدهر . عمّره الوليد بن عبد الملك ، وكان ذا همّة في أمر العمارات وبناء المساجد . أنفق على عمارته خراج المملكة سبع سنين ، وحمل عليه الدساتير بما أنفق عليه على ثمانية عشر بعيرا فلم ينظر إليها ، وأمر بإبعادها وقال : هو شيء أخرجناه للّه فلا نتّبعه ! قالوا : من عجائب الجامع لو أن أحدا عاش مائة سنة ، وكان يتأمّله كلّ يوم ، لرأى في كلّ يوم ما لم يره من حسن الصنعة ومبالغة التنميق . وحكي أنّه بلغ ثمن البقل الذي أكله الصنّاع ستّين ألف دينار ، فضجّ الناس استعظاما لما أنفق فيه ، وقالوا : أنفقت أموال المسلمين فيما لا فائدة لهم فيه ! فقال : ان في بيت مالكم عطاء ثماني عشرة سنة ، إن لم يدخل فيه حبّة قمح ! فسكت الناس ، فلمّا فرغ أمر بتسقيفها من الرصاص ، وإلى الآن سقفها من الرصاص ، ورأيت الصانع يرقمها بالرصاص المذاب . قالوا : ان طيرا يذرق على الرصاص يحرقه فيحتاج إلى الإصلاح لدفع ماء المطر . قال موسى بن حماد : رأيت في جامع دمشق كتابة بالذهب في الزجاج محفورا سورة « ألهاكم التكاثر » ورأيت جوهرة حمراء نفيسة ملصقة في قاف المقابر ، فسألت عن ذلك فقالوا : ماتت للوليد بنت كانت هذه الجوهرة لها ، فأمرت أمّها أن تدفن هذه الجوهرة معها ، فأمر الوليد بها فصيرت في قاف المقابر ، وحلف لأمّها أنّه أودعها المقابر . والمسجد مبني على أعمدة رخام طبقتين : التحتانية أعمدة كبار ، والفوقانيّة أعمدة صغار ، في خلال ذلك صور المدن والأشجار بالفسيفساء والذهب والألوان . ومن العجب العمودان الحجريان اللذان على باب الجامع ، وهما في غاية الإفراط طولا وعرضا ، قيل : وهما من عمل عاد إذ ليس في وسع أبناء زماننا قطعهما ولا نقلهما ولا إقامتهما ، وفي الجانب الغربي بالجامع عمودان على الطبقة العليا من الأعمدة الصغار ، يقولون : انّهما من الحجر الدهنج ، وفي جدار الصحن